الواحدي النيسابوري

164

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

قال السدّى : إن الناس في زمن سليمان اكتتبوا السّحر ، واشتغلوا بتعلّمه ، فأخذ سليمان تلك الكتب ، وجعلها في صندوق ، ودفنها تحت كرسيّه ، ونهاهم « 1 » عن ذلك . فلمّا مات سليمان - عليه السّلام - ، وذهب الذين « 2 » كانوا يعرفون دفنه الكتب ، تمثّل شيطان على صورة إنسان ، فأتى نفرا من بني إسرائيل ، فقال : هل أدلّكم على كنز لا تأكلونه أبدا « 3 » ؟ قالوا « 4 » : نعم . قال : فاحفروا « 5 » تحت الكرسىّ ، فحفروا فوجدوا تلك الكتب ، فلمّا أخرجوها ، قال الشّيطان : إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والإنس والشّياطين والطّير بهذا ، فاتّخذ « 6 » بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلذلك أكثر ما يوجد السّحر في اليهود ، وبرّأ اللّه - عزّ وجلّ - سليمان من ذلك ؛ وأنزل هذه الآية . قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي : لم يكن كافرا ساحرا يسحر ويعمل بالسّحر « 7 » ، وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باللّه تعالى . وفي « ولكنّ » قراءتان : التّشديد ، ونصب الاسم به ، والتّخفيف ورفع الاسم به « 8 » . وهذا الحرف إذا استعمل مثقّلا كان عاملا في الاسم ، وعمله النّصب ؛ وإذا استعمل مخفّفا لم يعمل النّصب ، « وكان حرف عطف » « 9 » . وقوله تعالى : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ يعنى : الشّياطين إذا حدّثوا بالسّحر ، وتكلّموا به ، وألقوه فيما بين النّاس . ويجوز أن يكون يُعَلِّمُونَ : من فعل اليهود الذين عنوا بقوله : وَاتَّبَعُوا .

--> ( 1 ) ب : « ونهى عن ذلك » . ( 2 ) ب : « الذين هم كانوا » . ( 3 ) حاشية ج : « أي : لا ينفد أبدا » . ( 4 ) أ ، ب « فقالوا » . ( 5 ) أ ، ب : « احفروا » . ( 6 ) ب : « بهذه فاتخذوا » . ( 7 ) قال القرطبي : « ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر ، ولكن اليهود نسبته إلى السحر ، ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر » ( تفسير القرطبي 2 : 43 ) . ( 8 ) هذه قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وكذا خلف . . وافقهم الأعمش ؛ وقرأ الباقون بالتشديد ونصب ما بعدها بها . ( إتحاف البشر 144 ) و ( تفسير البحر المحيط 1 : 326 - 327 ) و ( تفسير القرطبي 2 : 43 ) و ( الفخر الرازي 1 : 450 ) . ( 9 ) الإثبات عن ب . انظر ( البحر المحيط 1 : 327 ) و ( الفخر الرازي 1 : 450 ) « قال الكسائي : المختار عند العرب تشديد النون إذا اقترنت بالواو ، وتخفيفها إذا لم تقترون بها ؛ وعلى هذا جاء أكثر القرآن العزيز » ( البرهان للزركشى 4 : 390 ) .